ابن عربي

591

الفتوحات المكية

هذا يقع التعجب مع وجود العقل عندهم فوقع التعجب من ذلك ليعلم من حجب العقول عن إدراك ما هو لها بديهي وضروري ذلك لتعلموا إن الأمور بيد الله وأن الحكم فيها لله وأن العقول لا تعقل بنفسها وإنما تعقل ما تعقله بما يلقي إليها ربها وخالقها ولهذا تتفاوت درجاتها فمن عقل مجعول عليه قفل ومن عقل محبوس في كن ومن عقل طلع على مرآته صدا فلو كانت العقول تعقل لنفسها لما أنكرت توحيد موجدها في قوم وعلمته من قوم والحد والحقيقة فيهما على السواء فلهذا جعلنا قوله تعالى إن هذا لشئ عجاب ليس من قول الكفار فاعلم يا أخي أن هذا المنزل هو منزل من منازل الستر والكتمان وتقرير الألوهة في كل من عبد من دون الله لأنه ما عبد الحجر لعينه وإنما عبد من حيث نسبة الألوهة إليه ولهذا ذكرنا أنه من منازل الكتمان والستر قال تعالى وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فما ذكروا قط إلا الألوهية وما ذكروا لأشخاص ولكن لم يقبل الله منهم العذر بل قال إنكم وما تعبدون من دون الله أي الذي انفرد بهذا الاسم حصب جهنم وهو قوله وقودها الناس والحجارة وهو كل من دعاكم إلى عبادة نفسه أو عبدتموه وكان في وسعه أن ينهاكم عن ذلك فما نهاكم فمثل هؤلاء يكونون من حصب جهنم فالموحد يعبد الله من طريقين من طريق الذات من كونها تستحق وصف الألوهة ومن طريق الألوهة فالسعيد الجامع بينهما لأن العابد مركب من حرف ومعنى فالحرف للحرف والمعنى للمعنى فلذلك لم نعبد الذات معراة عن وصفها بالألوهية ولم تعبد الألوهية من غير نسبتها إلى موصوف بها فلم تقم العبادة إلا على ما نقتضيه حقيقة العبد وهو التركيب لا على ما تقتضيه حقيقة الحق وهو الأحدية ولهذا يكون القائل في عبادته وفاء لحق الله غير مصيب إذا أراد الذات فإن حقيقتها الأحدية وقد يمكن أن يصح قول من قال إنما أعبده وفاء لحق الربوبية لا لحقيقتها إذ كل حق له حقيقة فالحق من ذلك به تتعلق العبادة من العابد والحقيقة هي الأحدية التي لا تتعلق ولا يتعلق بها ولهذا كانت الألف في الوضع الإلهي بالخط العربي إذا تقدمت في الكلمة لا تتصل ولا يتصل بها وإذا تأخرت اتصل بها بعض الحروف ممن لا علم له بالأحدية المطلقة التي تستحقها هذه الذات إلا خمسة أحرف لا غير من جميع الحروف وهي الدال والذال والراء والزاي والواو وهي خمسة أحوال من اتصف بها عرف الأحدية وكانت عبادته ذاتية لم يقترن بها أمر وهي عبادة المعنى للمعنى فإن الأمر عبادة الحرف للحرف فلا يخطر لعابد المعنى فرق بين الذات والألوهية ولا كثرة بل يرى عينا واحدة تستحق ما هو عليه هذا العارف من حيث معناه لا من حيث حرفه وهذا مقام الجلال والعظمة وأحدية العبد التي أعطته معرفة الأحدية الذاتية والتنزيه والغني فهذه أحوال خمسة تدل عليها الحروف الخمسة التي لا تتصل بها الألف الواقعة في أواخر الكلم مثل جبيرا وعزيزا وأحدا وإذا وعلوا فدلت الألف في أول الكلمة من عدم الاتصال على قوله كان الله ولا شئ معه وهو على ما عليه كان مع وجود الأشياء من عدم الاتصال كما لم تتصل الألف بالكلمة ودل عدم اتصال الحروف الخمسة بها في آخر الكلمة على حال معرفة مقام بعض العباد من العلماء بالله دون غيرهم حيث رفعوا النسبة بينهم وبين الله تعالى وأنهم مشاهدون لما ذكرناه من الجلال والعظمة والأحدية والتنزيه والغني وما عدا هذه الطائفة جعلوا نسبة ورابطة بين الإله والمألوه وما فرقوا بين المرتبة والذات لما لم يعرفوا الله إلا من نفوسهم بحكم الدلالة لاستناد الممكن إلى المرجح فطلبوه وطلبهم ولهم من الحروف كل حرف اتصل بالألف في آخر الكلمة ولهؤلاء الأكابر أيضا قسم وحظ وافر في منزل هذه الحروف التي اتصلت من حيث حرفيتهم لا من حيث معناهم وهؤلائك جهلوا هذا القدر الفارق بينهم لكنهم ستروا ذلك عن العامة وانفردوا به عن أشكالهم يختص برحمته من يشاء ولأجل هذا قال الجنيد سيد هذه الطائفة لا يبلغ أحد درج الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق بأنه زنديق فإن هذا المقام يضر بمن ليس من أهله كما يضر رياح الورد بالجعل لأن الحال التي هم عليها لا تقبل هذا المقام ولا يقبلها فإذا رآهم الناس في العموم لم يعرفوهم لأنه ليس على حرفهم أمر ظاهر يتميز به عن العامة وإذا رآهم الناس في الخصوص كالفقهاء وأصحاب علم الكلام وحكماء الإسلام قالوا بتكفيرهم وإذا رآهم الحكماء الذين لم يتقيدوا بالشرائع المنزلة مثل الفلاسفة قالوا إن هؤلاء أهل هوس قد فسدت خزانة خيالهم وضعفت عقولهم